الصفحة الرئيسية

مـن نحـن

أدب و فـن

مواقـع

رياضـــــــة

 

 السبت 01 . 03 . 2008

صورة قلمية للزعيم عبد الكريم قاسم

    وداد فاخر*

 لم تستطع اثنان وأربعون عاما أن تمحي صورة جميلة للشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم من مخيلتي، بوجهه البرونزي الحيي المائل إلى الحمرة، وقسماته الإنسانية الهادئة، وبسمته الرجولية البريئه الخالية من التصنع، والخيلاء.
كانت الساعة في ليلة من ليالي آب من عام 1960 تقارب الثانية عشر من منتصف الليل، وقد خيم الهدوء على مدينة الكاظمية في بغداد، بعد أن آوى الجميع إلى أسرتهم طلبا للراحة بعد نهار تميز بشي من الحرارة المعروفة في مثل شهر آب اللهاب.
وكنا ثلاثة صبية نقترب قليلا من عمر المراهقة، نتمدد على الأفرشة التي مدت لنا على سطح بيت السيد حسن في جهة الرجال القريب من باب المراد، الذي يكتظ بزوار آل البيت في كل عام في مثل هذا الوقت، ويرقد إلى جانبنا عامل البيت من قبل السيد حسن.
إنشغلنا في حديث هامس لئلا نزعج الزوار النائمين، حتى نترك للنعاس مجالا لكي يتسرب إلى عيوننا ، بعد تعب نهار حار مرهق في تنفيذ طلبات جدتي الحجية وصويحباتها القادمات من مدينة البصرة في جولة إستغرقت أكثر من شهر إبتداءا من كربلاء مرورا بالنجف وصولا إلى بغداد ، في جو من حرية المعتقد والحركة.
فجأة قطع صمت الليل ضجة قادمة من قرب مرقد الجوادين، ومع هتاف بصوت جهوري، صاح عامل البيت قائلا ً:
- لك هاذه أبو دعير جاي للحضرة!!
ومع أول كلمة نطقها عامل البيت، وثبنا أنا وابن خالي وآخر تعرفنا عليه في سكن الزوار من البصرة، فرحين ونحن نقفز درجات السلم بخفة عجيبة، لحظات وكنا أول الواصلين قرب سيارة السكودا الصغيرة، وتوزعنا على جهتي السيارة.. أمسكت بمقبض الباب الخلفي لجهة اليمين والسيارة تبطأ من سيرها عند باب القبلة بغية الإستدارة، بينما أمسك إبن خالي مقبض الجهة الأخرى، مع صديقنا الثالث، ووجدت لصق نظري رجلا مهيبا بوجه مستطيل يستدير عند ذقنه، فيشكل ما يسمى ب "الوجه النشمي" على رأئ العامة من العراقيين.
وجدته يوزع نظراته الخجولة بين جهتي السيارة، وهو يرفع يده لنا بالتحية، ونحن نواصل السير مع السيارة التي أخذت بحركة منه للسائق تسير بطريقة سلحفاتية خوفا علينا، ثم وفي لحظات وجدنا أنفسنا نستجيب لضغط بشري هائل تزاحم على السيارة لتحية الزعيم والتمتع برؤيته، ولاحظت تبدل نظرته الباسمة إلى خوف وعطف علينا نحن الذين لا نزال نتمسك بمقبض بابي السيارة وعيوننا مسمرة في وجهه الذي كانت ترتسم عليه علامات الحب والعطف والحياء، لجماهير أحبته بصدق لبساطة عيشه، وسمو أخلاقه، ودماثة خلقه، وجال في رأسي لحظتها قوله وهو يخاطب الأحزاب العراقية قائلا (إنني أرجو منكم بعد هذا اليوم أن لا تطغى فئة منكم على الأخرى ، ولا تتجاوز على الجيران ، وعلى الأهل ، أو على الأصدقاء ، وعلى أبناء الشعب )،
وبإزدياد ضغط الجماهير على أجسادنا المحشورة بينها وبين جسم السيارة، لاحظت إزدياد القلق على قسمات وجهه، وبقرب السيارة من ساحة الزهراء أشر للسائق لكي يزيد قليلا من سرعته وهي إشارة لنا لتترك قبضات أيدينا مقبضي البابين، وأفساح المجال لحركة السيارة التي أعقنا تحركها، وحرمناه هو أيضا من زيارة أبو الجوادين، التي إعتاد على ممارستها ليليا.
والآن تعود بي الذاكرة لتلك اللحظة الجميلة وأنا أتطلع بوجه ابن أول إنسان عراقي بسيط حكم العراق، وأحب أهله ووطنه، وإفتخر بابيه النجار، وامه العراقية البسيطة التي كانت تجاهد كي توفر له تكاليف الحياة الدراسية، فآل على نفسه أن يضع شعار محاربة الثلاثي ( الجهل والمرض والفقر ) نصب عينيه لمحاربته لكن هل تركه الآخرون على سجيته؟
مقدما أقول بأن الزعيم كان على "لاهيته" كما نقول عن الانسان الطيب القلب الصافي السريرة، والسياسة هي فن الممكن، ولذلك على السياسي أن يناور، ويلف ويدور، وحتى إذا تطلب الموقف فالكثير من السياسيين يضطر للكذب، بينما إستخدم الزعيم عبد الكريم قاسم، الصراحة المطلقة الخالية من الغش واللف والدوران، إلى جانب مفهوم إنساني يشكل خطرا كبيرا في عالم السياسة لمن يستخدمه كنهج عام، وهو مصطلح (الرحمة فوق القانون) الذي روج له الزعيم وكان منهاجا إتبعه في سياسته مع معارضيه من التحالف البعث- قومي – إسلامي ، وقد عمل التحالف المذكور رغم التناقضات الكثيرة التي كانت موجودة ما بين أتباعه فكريا ومذهبيا إلى محاولة التغلب على تلكم التناقضات والإنخراط في إتفاق غير مكتوب يطلق عليه السياسيون ب ( حلف الكراهية )، وقد ضم ذلك الحلف أشتاتا عدة من المناهضين للتطلعات الوطنية ، وشكل رأس الحربة فيه حزب البعث العربي الإشتراكي، يشاطره الموقف الجماعات القومية والناصرية ، والاخوان المسلمين، والمرجعية الدينية الشيعية التي إتخذت موقفا سلبيا من ثورة 14 تموز 1958 منذ أول يوم لها ، حيث يذكر الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم في مذكراته بان ( السيد محسن الحكيم لم يرسل برقية تأييد لحكومة الثورة، رغم زيارة السيد فؤاد عارف – السيد فؤاد عارف لا زال حي يرزق أطال الله في عمره ومتعه بصحته يستطيع الحديث عن ذلك " الكاتب "- محافظ كربلاء الجديد ، وإنما أرسل برقية بالتبصر )، مضافا لهم بعض التجار ورجال العهد الملكي وشيوخ عشائر شمر.
المسألة الثانية التي تستحق التأمل والمناقشة هي تلكأ الزعيم عبد الكريم قاسم في مسالة التطبيق الديمقراطي الحقيقي للسلطة الوطنية، الذي كان يستوجب تشريع دستور دائم، وإجراء إنتخابات تشريعية لإختيار ممثلي الشعب وإنتخابات رئاسية، كان سيفوز بها بنسبة عالية حقيقية وليس كنسبة 99و99 بالمائة العربية المشهورة.
أما المسألة التي كانت تستحق اهتماما اكثر فهي تطهير الجيش من العناصر المعادية، والتي تمثلت في إناطة جهاز حيوي مهم هو جهاز الاستخبارات العسكرية بيد شخص معادي كان له الدور البارز في إبعاد الضباط المخلصين للثورة وزعيمها من وزارة الدفاع، ونقل الضباط المتآمرين إلى المراكز العسكرية الحساسة، والتستر عليهم، وهو العميد محسن الرفيعي – حدثني أحد زملائي الطلبة من أهالي قضاء الهندية "طويريج" في العام 1966، بأن الرفيعي شوهد في نادي الهندية وهو يؤنب نفسه على تعاونه مع البعثيين، وكان في حالة سكر شديدة – والذي كان له الدور الرئيسي في الإعداد لانقلاب 8 شباط 1963.
أما خطأ يوم 8 شباط القاتل فقد كان إستهانة الزعيم بقوة الانقلابيين إلى جانب ما يعرف عن شعبيته بين بسطاء العراقيين، وتحصنه في وزارة الدفاع التي كانت المصيدة التي حجمت حركته، وتركت المجال للانقلابيين للتحرك الواسع في أرجاء بغداد للفتك بالمواطنين الذين هبوا للدفاع عن سلطتهم الوطنية وزعيمهم المحبوب، لكن الخطأ تفاقم اكثر بامتناع الزعيم عن توزيع الأسلحة على الجماهير لسحق الانقلابيين بالرجوع إلى سياسة الرحمة وعدم ترك المجال لحرب أهلية، وهو ما غلب المصلحة العامة على الخاصة، في جو توازن أخلاقي غير متكافئ بين الزعيم صاحب المثل الإنسانية العليا وساديين لا يفهمون غير لغة القتل والدمار. ودليلنا على ذلك ما أذاعه الشريك الحقيقي للبعثيين عبد السلام عارف في بيانه الاول عندما إنقلب عليهم في 18 تشرين 1963 ب( أن ما قام به العابثون الشعوبيون، وسفاحو الحرس اللآقومي من اعتداء على الحريات وإنتهاك للحرمات ومخالفة للقوانين وإضرار عام بالدولة والشعب والأمة.. أصبح لا يطاق ويندى له الجبين).
ثم ومن بعد ذلك دعونا لا ننسى الموقف العربي والإقليمي والدولي، الذي لعب دورا مهما في الإطاحة بالحكومة الوطنية للزعيم عبد الكريم قاسم.فقد لعبت مصر عبد الناصر دورا قذرا وحقيرا في التآمر والتخريب ومن ثم إسقاط الحكم، وقد أقر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بذلك في مباحثات الوحدة الثلاثية التي جرت في القاهرة في العام 1963 بين كل من مصر والبعث بشقيه العراقي والسوري، وهو يقول:( لقد دفعنا للبعثيين العراقيين – ملاحظة من الكاتب: المبلغ المدفوع خمسة آلاف جنية مصري- )، مضافا لذلك ما أرسل من كميات هائلة من الأسلحة وأدوات التخريب ، والدعاية المضادة التي كان يتزعمها بوق صوت الشعب المذيع الذي كان أحد أسباب هزيمة العرب في نكسة عام 1967 " أحمد سعيد" .
لكنني وفي الأخير أختتم بالآية الكريمة التي تقول (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وقد صدق الكريم جلت قدرته وها هو التأريخ تعاد كتابته من جديد ، ليلقى بالتافه من القول من أكاذيب وتلفيقات المزورين وأشباه الأميين ممن تجاوزوا عليه في مزابله ، وترتفع راية الحقيقة ويبرز اسم الزعيم عبد الكريم قاسم على رؤوس الأشهاد عراقيا كان من خيرة أبناء هذا البلد الحضاري العريق.


* كاتب وصحفي عراقي مقيم في النمسا
  المقال منشور في موقع صوت العراق بتاريخ  18 تموز 2003

   http://sotaliraq.com/url/article_2003_07_18_0608.html

راسلونا على العنوان التالي

mok_a2005@hotmail.com

 

 

 

 

يرجى ارسال مقالاتكم
على ملف وورد

 

 

إدارة الجريدة غير مسؤولة عن جميع الأخبار والمقالات والدراسات المنشورة في الموقع