| الجمعة 11 . 07 . 2008
قصة قصيرة
في ذكرى سقوط مملكة السنبلة
مهدي الشمسي
جرت العادة ومنذ مطلع
السبعينيات على أن اشتري كتابا كل أسبوع أظل أطالع مادته طيلة السبعة
أيام التالية , وحسب ما أتيح لي من فراغ احرص دائما على توفيره سواء
كان الكتاب أدبيا أو علميا . وكنت أفضل أن اشتريه يوم الجمعة صباحا من
شارع المتنبي حيث الجموع المتدافعة والتي تروم الفوز بواحد من ما تشتهي
النفوس وترغب الأذواق , ابحث في كبرى المكتبات عن كتاب تستهويني قراءته
وكذلك في الكتب المصفوفة على الأرصفة والتي تسهل لك عملية الاختيار .
أنت هناك في عالم ينسيك حتى الإحساس بالزمن ,حيث تمر الساعات وكأنها
دقائق تشعر بعدها بالتعب اللذيذ والإرهاق العذب سواء فزت باقتناء كتاب
أو لم تفز فالمتعة واحدة ويكفي أن تكحل عينيك بمشاهدة هذه الجموع
المثقفة وهي تتحرك كخلية نحل يحمل كل من تراه كتابا واحدا على الأقل
يمثل غذائه الروحي أو مصدر رزقه ليفوز الجميع بارتياح ودون عناء .
وبعد أن اقتنص كتابي المفضل , أتأبط طريدتي ساعيا الدخول إلى مقهى
البرلمان القريب من السوق ,انفرد به بعد أن يفرغ المقهى من رواده وخاصة
كبار السن الذين يأمون المساجد لأداء صلاة الجمعة حيث يتدافعون لمغادرة
المقهى ودخول جامع الحيدرخانة والذي يقع قبالة المقهى مباشرة . اشعر
عندها بنوع من الهدوء وحرية اختيار المقعد المناسب ,كنت أفضل الجلوس
على التخت الأخير والقريب من أبو صادق (الجايجي ) المسؤول عن خدمة
الزبائن ,وتوصيل رسائل الأصدقاء وحفظ مواعيد قدوم ومغادرتهم , وكذلك
الإبلاغ عن المناسبات المفرحة منها والمحزنة وغيرها من الخدمات المهمة
, هو بمثابة استعلامات لجميع رواد المقهى , وكان يسمعنا تعليقاته
اللطيفة بين الفينة والأخرى حول الوضع العام وحول الزبائن وخاصة (أبو
داود ) والذي بات كقطعة من أثاث المقهى , لا يبرحه إلا بعد أن يغلق
الحاج عودة باب المقهى ليظل يحوم حول الباب الموصد ويستقر به المطاف
برفقة صديق متوجها إلى ضفاف نهر دجلة الساحرة .
وذات صباحا تموزياً جميل توجهت وكعادتي إلى سوق السراي ماشيا عبر جسر
الشهداء والذي لا يبعد سوى كيلومترين عن منزلنا , دخلت السوق وتذوقت
متعة البحث عن ضالتي والتي فزت بها أخيرا وكان ديوان (مملكة السنبلة)
للراحل الكبير عبد الوهاب البياتي , دخلت به مقهى البرلمان ,إلا أن
المفاجئة كانت حدوث عطب كهربائي في لوحة وأسلاك المقهى مما يجعل الجلوس
على التخوت الخشبية أمرا ممل وصعبا بسبب تعطل عمل أجهزة التهوية
والمراوح السقفية . فآثرت الذهاب إلى مقهى البرازيلية لا سيما وان باص
المصلحة رقم (4) قد توقف قرب مقهى حسن عجمي ,وهذا ما يسهل بلوغي مقهى
البرازيلية بيسر , وكان لي ذلك , حيث دخلت المقهى الهادئ والقليل
الزبائن والذي تفوح منه رائحة البن لتعطر شارع الرشيد ومحلاته
المجاورة. أخذت مقعدي واضعا ديوان الشعر على الطاولة, وأخذت اتامل
غلافه الصقيل والجميل مسترخيا من عناء الازدحام وشدة الحرارة في يوم
تموزي قائض. لم يكن هناك من اعرفه بين الزبائن , لكني كنت راغبا
بالعثور على شريك أبادله الحديث حتى بلوغي وقت العصر ومن ثم أتوجه إلى
شارع أبي نؤاس لاستنشق عذوبة هواء دجلة الخالد والذي أدمنته وأنا برفقة
كتابي الجديد .والثمين .
احتسيت قهوتي المرة متأملا باب المقهى عندها توقفا رجلان أمام البوابة
وهما يدعوان آخر إلى الدخول والذي تسمر أمام الحاجز الزجاجي وأبى
الدخول ,إلا أن الرجلين ادخلاه المقهى بالقوة على ما يبدو لي . تهيأ لي
باني اعرفه قد يكون (حسن) نعم انه (حسن) , ولكن كيف تغيرت ملامحه إلى
هذا الحد الذي أصبح من الصعب التعرف عليه بسهولة , اعترتني حاله من
الاستغراب والقلق جعلت يدي ترتجفان وأنا متمسك بثبات وقوة بلوح التخت
الذي اجلس في حين أخذت دقات قلبي تتسارع بشكل مخيف. دخل حسن المقهى وهو
يتوسط رجلين ضخمين البنية احدهما يضع نظارة سوداء فوق حاجبيه علقت
ذراعاها فوق أذنيه بالكاد وكان أصلع , أما الآخر فكان اسمر ذو شاربين
طويلين وشعر كث مجعد . توقف حسن عند منتصف القاطع الأول للمقهى واخذ
يتفرس بوجوه الزبائن حتى وقعت عيناه ناحيتي , ولما استقرتا برهة ,غمز
بعينه الشمال والقريبة من اتجاهي , ثم أكمل دوران بصره حتى نهاية
القاطع , عندها تمتم معه الرجلان بكلمات مقتضبة تنم على ما يبدو عن فشل
المحاولة والسعي إلى الجلوس عسى أن يثمر عن شيء ويتعرف عليه أو يسلم
عليه احد , فقد باءت المحاولات السابقة بالفشل على ما اعتقد ورجعوا
بخفي حنين .
جلس حسن بصحبة كلبي الحراسة قرابة مقعدي يخيم عليه الوجوم شاحب الوجه
كثير الندوب أشيب الشعر ذو عينان فاترتان غاب عنهما البريق , عوقت أحدا
يديه بألم وقسوة . أمرا الكلبان النادل بان يأتي لهما بفنجانين من
القهوة ,في حين فضل حسن شرب الماء البارد وتوجه ناحية براد الماء
متعمدا المرور بمقعدي , ثم قال بصوت خافض وهادئ عبارة (كش ملك ) والتي
تعني أن المكان محضور فلا تتفوه بكلمة . وهذه العبارة كانت متعارف
عليها بين أصدقائنا
وفي مجالسنا العامة عندما يكون هناك من هو مدسوس أو غير مرغوب به أو
مخبر , استلمت الشفرة وظلت الأفكار والتوقعات تتراقص في راسي عن مصير
حسن وعن ما ستؤول إليه الأحداث , أنا اعرف أن حسن قد اختفى من ثلاثة
أعوام عند عودته من الجامعة وبظروف غامضة لم تتمكن محاولات والدته من
العثور عليه أو فك لغز اختفائه مما أوهنها المرض والبكاء وفارقت الحياة
وهي تتأمل العثور عليه فقد كان وحيدها وأملها المرتقب بعد والده .
عاد حسن واخذ مقعده بين الكلبين واللذين تبادلا الحديث التافه ليتركا
المجال لحسن بمحاورتي بلغة هي ابلغ لغات الكون ألا وهي لغة العيون ,
لغة استثنائية لم أعهدها , لغة خانقة مقتضبة لا تقبل الغش , تنبع
تراكيبها ومفرداتها من فم واحد مشترك وعيون حيارى تخاف القصور وتخشى
الزلل ,فكيف بهن إذا كن عيون حسن ؟؟؟؟ . ظلت عينا حسن ترقبانني يريد
جوابا لكم هائل من التساؤلات والتي مزق غياب إجاباتها احشائه , حسن
يريد أن يصرخ ,أن يملئ العالم احتجاجا على مظلوميته , أن يسمع ولو صوت
واحد يدين الفاشية ويستنكر اغتصاب حق الحياة .
اجل حسن صراخه واحتجاجه لحين الحصول على نتائج حوار العيون التالي
والذي دار بيننا والذي ترافقه بعض الحركات الإيمائية والإشارات الغير
مرئية لكلبي الحراسة :
حسن : كيف حالك ؟؟؟
ج : بخير والحمد لله
حسن : هل أمي على قيد الحياة ؟؟؟
ج : نعم هي كذلك
( بعد إن تأخرت وتلكأت في الإجابة , وكان يشير إلى عمامة أمه )
حسن : يفتح حدقتا عينيه بشده شاكا في إجابتي ويكرر السؤال :
: هل أمي على قيد الحياة ؟؟؟
ج : نعم .....نعم .....نعم
(بعد أن أشرت إلى عيني بمعنى إني رأيتها )
حسن : ماذا تقرأ ؟؟؟
ج : ديوان شعر
(أشرت إلى قلبي بعدها حاولت رفع الكتاب ليتمكن من قراءة العنوان )
حسن : هل شاهدت زينب ؟؟؟
ج : لا لم أرها منذ سنتين !!!
( زينب حبيبة حسن في الكلية , كان يروم الارتباط بها , بينهما حب خرافي
, هربت مع والدها خارج
العراق بعد مضايقة الأجهزة الأمنية للعائلة , توفي والدها هناك ولا
اعرف شيء عن مصيرها )
حسن : حاول أن لا تخبرها عن وضعي , وقل لها أن حسن سيأتي يوما لخطبتها
وهو شديد التعلق بها
ج : إن شاء الله
حسن : هل تخرجت من الجامعة ,وهل تزوجت ؟؟؟
ج : نعم تخرجت ,لكني لم أتزوج
حسن : كيف هم الأصدقاء , وهل ما زلتم تلعبون الشطرنج ؟؟؟
ج : منذ ثلاث سنوات لم أر احد منهم , فمنهم من اعتقل أو قتل في الحرب ,
والآخر هرب خارج العراق
حسن : ماذا عن طارق ؟؟؟
( أشار بيده إلى الأعلى ويقصد بذلك طارق الطويل )
ج : قتل في الحرب !!!
(بعد أن ترددت في الإجابة )
توقف حسن عن مواصلة الحوار بعد أن أغرورقت عيناه بالدموع وانعدمت
الرؤيا لمواصلة الحوار ,ثم اطرق مفكرا وعلى ما اعتقد استعاد شريط
ذكرياته مع أصدقاءه ومع زينب وطارق والعالم اجمع ,طلب سجارة من احد
الرجلين ثم عاود الحوار :
حسن : هل أمي على قيد الحياة ؟؟؟
ج : نعم .....نعم .....نعم ....!!!
(حاولت التهرب من تأكيد الإجابة متعمد إسقاط علبة السجائر أرضا )
حسن : أنت كلب وكذاب !!!
ج : موافق !!!
( واضعا يدي فوق راسي )
حسن : هل وجهي قبيح ؟؟؟
ج : لا يا حسن أنت اسم على مسمى !!!
حسن : أنت كذاب !!!
ج : موافق !!!
حسن : هل فصلوني من الكلية ؟؟؟
ج : لا اعلم !!!
حسن : حسنا أريد أن اسمع شعرا فانا جائع !!!
ج : لا عليك تمهل قليلا سأسمعك وأطربك وأشبعك !!!
حسن : يبتسم بابتسامته الرائعة المعهودة , لأنه يعرف باني سأفعلها !!!
بعد دقائق تناولت ديوان الشعر وفتحته عند منتصفه ونهضت من مقعدي وأنا
اضحك بصوت عالي جذب انتباه الحضور ,ومن ثم أجهشت بالبكاء والذي كان
جاثما على صدري طيلة حواري القاتل مع حسن وهتفت قائلا :
كيف لكم أن تسمون هذا شعرا ثم قرأت بصوت عالي :
(وحش حجري يتربع فوق الفولاذ المسنون بعين واحدة يرنو لليل المثقوب
بطلقات رصاص , ينفث في وجه الفجر دخانا , ينشب في لحم الساعات مخالبه,
يتمطى فوق رغاء الأصوات المسحوقة, تغلي في داخله أوساخ الطوفان البشري
المهزوم ,بعين أعماها النور يحدق في طقس الروتين اليومي , وجدول أعمال
النمل ........)
ثم قرأت شيء من ما أحفظه للنور يأتي من غرناطة , وهتفت هل هذا شعرا !!!
أين فطاحله الشعر أين العمالقة ؟؟؟
هنا يضحك الجميع ويشير حسن إلي بيده ويقول مجنون هذا الرجل . قالها وفي
عينيه صرخة لو ترك لها العنان لحطمت المقهى والعالم اجمع أضنها مزقت
رئتيه بصمت !!!
اقتادني النادل خارج المقهى مستغربا من تصرفي واتهمني بكوني مخمور . ثم
وقفت عند الضفة الأخرى لشارع الرشيد ارقب ما سيحصل لحسن وأنا محطم
القلب ضاربا عمود الكونكريت بقبضة يدي والذي أدماها ,باحثا عن احد
يساعدني لإنقاذ حسن وتحريره من أيدي الكلاب المسعورة ..... لكن ليس
هناك من يعينني بين المارة المستغربين من بكائي المر وآثروا التمتع
ببكائي دون أن يعوا شيء .
وبعد نصف ساعة من خروجي المقهى اقتادا الكلبان حسن إلى سيارة جيب كانت
متوقفة وبرفقة اثنين آخرين من كلاب الحراسة توجهت باتجاه نصب الحرية .
وبعد خمسة عشر عام من هذه الحادثة بعت مكتبتي بما حملت وأبقيت على
ديوان (مملكة السنبلة ) , وذات صباحا
تأبطت الديوان إلى مقهى البرازيلية مباشرة دون المرور بشارع المتنبي
والذي خاصمته لعلي أرى حسن أومن يشبهه
لأحاوره من جديد فلدي جبل من الأسئلة ولا جواب واحد لأسالته المحيرة .
ولدى مغادرتي الوطن صادر كلب الحدود ديوان ( مملكة السنبلة ) الكتاب
الوحيد الذي احمل وهو يقول : انتم ميتون من الجوع وتقرؤون !!! . لتبقى
صورة حسن عالقة في مخيلتي وصورة بديلة لغلاف ديوان (مملكة السنبلة ) ما
دمت حيا .
|